مقالات ودراسات

في البداية تكون نهاية

هذه هى الشهادة التى أدلى بها د.سمير أمين لتحالف المنظمات غير الحكومية "التالير" فى سياق مبادرة التحالف لإنشاء محكمة دولية شعبية للنظر فى جرائم شارون.

اسرائيل دولة فريدة فى نوعها. فلم توجد دولة أخرى أنشئت فى ظروف شبيهة، كما لا تماثلها دولة أخرى منتمية للنظام الدولى فى التنكر الفظ للقواعد التى تحكمه.

نشأت اسرائيل كصنيعة للقوى الامبريالية الغربية، بدءًا من بريطانيا وأخيراً الولايات المتحدة الأمريكية. فهى لم تكن من خلق الصهيونية وحدها، وإنما جاءت أساساً كأداة للمخططات الامبريالية المتعاقبة، والهادفة إلى السيطرة على الشرق الأوسط بسبب موقعه الجغرافى- السياسى، "كطريق إلى الهند" أول الأمر، ثم بوصفه الحد الجنوبى للاتحاد السوفيتى السابق، وأخيراً بوصفه المنطلق للسيطرة على روسيا والصين وإيران والهند، فضلاً عن الثروة النفطية. وتحتل فلسطين موقعاً شديد الأهمية فى هذه المخططات لتفصل مصر عن آسيا العربية وبما يسمح بالسيطرة على قناة السويس.

ولهذه الأسباب –وليس لغيرها- اختارت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى التذرع بالصهيونية كأداة وذلك من خلال إعلان بلفور عام 1917. وليس لهذا الإعلان أية مشروعية، فلم يكن من حق الدول المستعمرة السلطة القانونية أو الأخلاقية فى مصادرة حقوق الشعوب الأصلية الموضوعة تحت الحماية ولصالح مستوطنين أجانب سمح لهم بالقدوم. ودعمت السلطات البريطانية بقوة بناء "دولة يهودية داخل فلسطين المستعمرة"، مستخدمة فى ذلك كل الوسائل المتاحة لها من إرهاب سياسى وبوليسى- عسكرى لتحطيم حركة التحرر الفلسطينية.

وفى مايو 1948 اعترفت الأمم المتحدة بإسرائيل كدولة مستقلة، وفى وقت لم يكن ممثلاً فى المنظومة الدولية سوى عدد قليل من البلدان الأفريقية والآسيوية، ومع هذا فقد صوت معظمها ضد تقسيم فلسطين.

وكان العرب على صواب من الناحية الأخلاقية فى رفضهم لمبدأ التقسيم، وكذا أولئك الفلسطينيون الذين بدوا سابقين لعصرهم وناضلوا من أجل دولة فلسطينية موحدة تشمل المستوطنين الجدد وتحترم جميع الجماعات. ولكن الأمر ما زال بحاجة للنقاش عما إذا كان رفض التقسيم الخيار الأكثر فعالية من الناحية التكتيكية. فمن المؤكد أن التقسيم قد ساعد المستوطنين الأجانب فى تصوير حربهم العدوانية التوسعية على أنها عمل "دفاعى".

إن انضمام اسرائيل للأمم المتحدة كان يجب أن يتسق والمعايير الدولية، وبخاصة أن يكون للدول حدود معترف بها. ومن ثم فإن عضوية اسرائيل مرهونة باعتراف من حكومتها بهذه الحدود. ولكن هذا الاعتراف لم يأت قط. ولهذا فمن الواجب من الناحية القانونية طرد اسرائيل من الجماعة الدولية.

ومع ذلك، فإن إسرائيل لم تطرد، بل سمح لها بأن تقلب الأمور رأسًا على عقب، فهى التى لا تعترف بشرعية قرارات الأمم المتحدة، وهى الدولة الوحيدة التى سمح لها بهذا. فقد دأبت إسرائيل على رفض قرارات الأمم المتحدة لأكثر من نصف قرن، ومع هذا لم تطبق عليها أية عقوبات، بما فيها مثلاً القصف الكثيف الذى استخدم ضد دول أخرى، ولأسباب أقل أهمية فى أغلب الأحوال.

وفيما بعد أخذت الإمبريالية الأمريكية على عاتقها "حماية إسرائيل". وفى عام 1965 تم التخطيط فى واشنطون لحرب 1967 بهدف تحطيم الجهود الناصرية لتحقيق تنمية مستقلة. ولم تكتف إسرائيل بالرفض الثابت للانسحاب من فلسطين المحتلة وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وإنما أنشأت بطريقة منهجية مستوطنات جديدة فى المناطق المحتلة. ورغم هذه السياسة التوسعية لم تفرض على إسرائيل أية عقوبات دولية، كما لم تفكر قط أية دولة غربية فى خفض دعمها المالى لهذه الدولة التى يصعب تصور قدرتها على الحياة ولو لأسابيع قليلة بدون هذا الدعم.

هذا وقد أقدمت حركة التحرر الوطنى الفلسطينية –ممثلة فى منظمة التحرير الفلسطينية- على تقديم تنازلات ضخمة من أجل الوصول إلى حل سلمى معقول، وذلك حينما اعترفت بوجود اسرائيل كأمر واقع.

لقد قبل الفلسطينيون بأن تتشكل دولة اسرائيل من معظم أراضيهم (وأجودها). ووقعوا اتفاقاً فى أوسلو عام 1993 ينص على انسحاب الإسرائيليين من الأراضى المحتلة وفقاً لجدول زمنى محدد. وهو الاتفاق الذى لم تحترمه أى من الحكومات الإسرائيلية الخمس التى تعاقبت على السلطة منذ توقيع هذا الاتفاق.

ويقال إن باراك رئيس الوزراء الاسرائيلى السابق قد قدم "عرضاً سخياً" للفلسطينيين أثناء مفاوضات كامب ديفيد. وليس فى هذا أى شىء من الحقيقة حيث يقسم عرض باراك الدولة الفلسطينية إلى أربعة أقسام صغيرة تفصل بينها كتل من المستوطنات الجديدة، كما يبقى على الاحتلال العسكرى الاسرائيلى بطول نهر الأردن، ويضم إلى إسرائيل معظم أراضى القدس الشرقية.. وكان العرض تراجعاً مرفوضاًَ عن اتفاق أوسلو، وهو لا يزال مرفوضاً حتى الآن.

أما أرييل شارون فهو مجرم ثبتت تماماً مسئوليته عن المذبحة التى وقعت للفلسطينيين فى صابرا وشاتيلا. وطبقا للمبادىء الحاكمة للجماعة الدولية يجب إلقاء القبض عليه ومحاكمته أمام محكمة جنائية دولية. ولكن شارون يتقاسم مع جورج دبليو بوش وجهات النظر فى معظم الأمور، وهو فى وضع سمح له بالاستفادة من التشوش الناجم عن أحداث 11 سبتمبر 2001 لقلب "عملية السلام" التى بدأت فى مدريد وأوسلو، من خلال إعادة احتلال المناطق الفلسطينية ذات سلطة الحكم الذاتى المحدود باسم ما تسمى "الحرب على الإرهاب"، كما اضطلع شخصياً بالتخطيط للمذابح التى وقعت فى جنين ورام الله وبيت لحم وغيرها، مستهدفاً تحقيق "الحل النهائى" الصهيونى، ألا وهو إخراج الفلسطينيين من فلسطين.

إن شارون هنا لا يقوم بأى عمل جديد، فكما لاحظنا من قبل فإن باراك قد بدأ الانقلاب على "عملية السلام". بل إن إسرائيل قد تأسست وتوسعت دائماً من خلال مصادرة حقوق الفلسطينيين وانتزاع أراضيهم وطرد ملاكها الأصليين، ويمثل التطهير العرقى لب السياسات اليومية لهذه الدولة، وهو ما مارسته حكومات حزب العمل بنشاط أكبر حتى من حكومات اليمين. وقد بدأت هذه السياسة مبكراً بمذابح دير ياسين (1948) وغيرها، والتى تبعها الطرد الجماعى لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين تنكر عليهم اسرائيل حق العودة الذى كفله القانون الدولى. وقعت هذه الأحداث بعد ثلاثة أعوام فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية والتى وقع اليهود الأوربيون خلالها ضحية للبربرية النازية. والنتيجة التى يمكن استخلاصها من هذه الملاحظة أنه لا يوجد مصل يحول دون تحول الضحايا إلى سفاحين بدورهم، وحيث تواصلت المذابح من دير ياسين إلى جنين.

يتردد كثيراً القول بأن إسرائيل "دولة ديمقراطية" ولكن ما معنى تلك الديمقراطية التى تقوم على الأبارتهيد والتمييز ضد المواطنين العرب فى إسرائيل ليس فقط بحكم الأمر الواقع وإنما بحكم القانون أيضاً، فضلاً عن تقديم تصور للسلطة الفلسطينية كشرطة معاونة لإجبار الفلسطينيين على قبول وضعية البانتوستانات (انتظاراً لطردهم فى أفضل الأحوال). إن إسرائيل دولة عنصرية، دولة أبارتهيد، ولا يمكن تبرير هذا على الإطلاق من زاوية دعم أغلبية السكان ذوى الامتيازات لها، فكثيراً ما أيدت الأغلبية العديد من النظم الكريهة فى ظل ظروف معنية.

إن المهمة الحقيقية الوحيدة اليوم هى ضمان انسحاب إسرائيل من الأراضى التى تحتلها، والاعتراف بحق العودة للفلسطينيين المطرودين من ديارهم.

لقد حفلت رطانة بوش وشارون بقلب الأوضاع حينما ركزت على مسألة ما تسميه "العنف" و"الارهاب". عنف وإرهاب ضد من؟ فالاحتلال الإسرائيلى هو الذى يستند فى ممارساته اليومية على العنف والإرهاب. أما العنف الذى يلجأ اليه الفلسطينيون فهو رد فعل عليه، ومن ثم فهو عنف مشروع تماماً، طالما ظل حق مقاومة القهر أحد الحقوق الأساسية للشعوب. وإذا كان جيش الاحتلال الإسرائيلى ينشط خارج حدوده فلماذا لا يعمل الفلسطينيون داخل إسرائيل؟ وإذا كانت بعض صور الممارسات الفلسطينية يمكن أن تخضع للمناقشة، ومن زاوية فعاليتها بشكل خاص، إلا أنه لا يمكن بأى منطق المساوة بين عنف القاهرين وعنف المقهورين؟ وإذا طالبنا الطرفين بإيقاف العنف دون المطالبة بأسبقية انسحاب الجيش الإسرائيلى، فإن هذا يعنى وبكل بساطة الانحياز لاستراتيجية بوش- شارون.

إن الشعوب الأفريقية والآسيوية لتدرك بسهولة جوهر المشكلة فى فلسطين. إذ إن الاستعمار والمستوطنين البيض والعنصرية والأبارتهيد كانت قاسماً مشتركاً فى تاريخ هذه الشعوب، كما كانت إسرائيل الصديق الصدوق لنظام الأبارتهيد. لذا أيدت أفريقيا وآسيا نضال الفلسطينيين من أجل التحرر الوطنى. وحينما أدانت مجموعة الـ (77) ودول عدم الانحياز (العالم الثالث) الصهيونية فى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بوصفها مساوية للعنصرية، فإنها بذلك كانت تعبر عن تقييم صحيح للأيديولوجية الحاكمة لدولة "المستوطنين البيض" الاستعمارية.

غير أن هذا لم يكن الحال بالنسبة لأوربا، ويبدو أن هناك سببين وراء هذا. إذ تتقاسم مجموعة الـ (7) أو "الثالوث" (الولايات المتحدة وكند وأوربا واليابان) رؤية "امبريالية جماعية" عامة فيما يتعلق بعلاقاتها بشعوب الجنوب. وينطبق هذا على كل من الحكومات "اليسارية" –بالمعنى الانتخابى- أو اليمينية. فكل منهما تؤيد ما تعتقد أنه من متطلبات العولمة النيوليبرالية (أى الدفاع عن مصالح رأسمالية الشركات المسيطرة متعدية القوميات). وتشترك جميع هذه الحكومات فى الاهتمام بمصالح استراتيجية واحدة، ومن بينها "السيطرة" على الشرق الأوسط، كما قبلت بزعامة الولايات المتحدة فى هذا الصدد، ومن ثم فقد اعتبرت إسرائيل حليفاً مفيداً فى هذا المشروع.

ويعتبر هذا الاتجاه السائد وسط المؤسسات الحاكمة فى بلدان مجموعة الـ (7) ذا أهمية بالغة فى تفسير موقف هذه الحكومات من المسألة الفلسطينية، وهو عامل أكثر أهمية من الثقل الذى يعزى دائماً للوبى اليهودى (والذى يجب وصفه بالصهيونى لأن العديد من اليهود ليسوا مساندين للصهيونية).

وإذا استطاعت مجموعة الـ (7) أن تطور رؤية أخرى لعلاقاتها مع الجنوب فإن تأييدها لإسرائيل سوف يختفى بين عشية وضحاها، مهما بلغ ثقل اللوبى الصهيونى. أما السبب الثانى للتشوش بشأن القضية الفلسطينية فتكمن جذوره فى التاريخ الأوربى، وخاصة معاداة السامية التى ادت إلى جرائم النازى، وهى ظاهرة أوربية أفرزت الصهيونية كرد فعل عليها. وأياً كانت الاستجابة الأوربية تجاه هذا التاريخ، فمما لا شك فيه أن المسئولية الكاملة عن هذا التاريخ يجب أن تتحملها الشعوب الأوربية وحدها. وإذا كان من الضرورى خلق دولة اسرائيل كحل لهذه المسألة، فقد كان من الأولى أن تقوم فى مكان ما من أوربا، إذ إن الشعب الفلسطينى لا يجوز أن يتحمل تبعات معادة السامية فى أوربا. غير أن الأوربيين يرون من المناسب أن يكفروا عن أخطائهم على حساب الآخرين، بل والأدهى من ذلك استخدام الصهيونية كأداة فى مخططاتهم الإمبريالية. وهو الاتجاه  الذى يجب على الديمقراطيين الأوربيين (وفى أمريكا الشمالية) أن يدركوا أنه لم يعد مقبولاً.

ولقد برهنت الدعاية الصهيونية على كفاءتها فى استغلال هذا الوعى المتردى للأوربيين، وخاصة "صناعة الهولوكوست" التى حللها نورمان فنكلشتين وفضحها تماماً.

وربما يمكن للمرء أن يضيف إلى السببين السابقين ذلك التعاطف الطبيعى الذى يمكن أن يلقاه الاستعمار الصهيونى من دولة مثل الولايات المتحدة والتى بنيت من خلال إبادة السكان الأصليين على أيدى المستوطنين البيض. ومع ذلك فإن هذا التعاطف الطبيعى ما قدر له أن يكون مؤثراً ما لم تكن المؤسسة الحاكمة فى الولايات المتحدة تجد مصلحة استراتيجية فى تحالفها مع إسرائيل. فمن المؤكد أن هذه المؤسسة لا ترعوى عن اللجوء لأية حجة للدفاع عن مصالحها. يكفى فقط التذكير بموقف أيزنهاور عام 1956 حينما وقف ضد إسرائيل بهدف الإجهاز على النفوذين البريطانى والفرنسى فى الشرق الأوسط.

أخيراً... هل يمكن أن تتغير إسرائيل نفسها؟ هل ترتضى لنفسها دوراً تاريخياً آخر غير أن تكون رأس رمح للإمبريالية الغربية؟

إن هذا يمكن أن يكون موضوعاً لجدل تاريخى مهم. أذكر أن اليهود اللاجئين لمصر إبان الحرب العالمية الثانية هرباً من اضطهاد النازى، كانوا يلقون الترحيب، انطلاقا من التعاطف مع أناس لفظتهم ظلماً المجتمعات التى نشأوا بها ويرغبون فى القدوم للعيش فى الشرق. لم لا وقد هناك مليون يهودى آنذاك يعيشون فى فلسطين. هكذا بدا الأمر وقتها. ولكنهم للأسف بمجرد أن وصلوا فلسطين خضعوا لتنظيم وتحكم المؤسسة الصهيونية، حيث تم تعليمهم كيف يتصرفون كمستوطنين بيض، وهذا بالضبط ما قاموا به.

والآن، إذا كان الفلسطينيون قد قبلوا بوجود دولة اسرائيل فماذا لو قبل الإسرائيليون بالمثل قيام دولة فلسطينية؟ وحتى إذا تطلب هذا عملاً دولياً ما، فهل يمكن لهذا المنعطف الجديد أن يخلق إمكانية لمسار آخر فى العلاقة بين الشعبين. أعتقد ذلك.

لكن لن يحدث شىء من هذا بدون انسحاب إسرائيل أولاً من الأراضى الفلسطينية التى احتلتها عام 1967. وهذا هو الهدف الذى يجب أن تحتشد من أجله القوى الديمقراطية فى العالم وفى اسرائيل نفسها.