عودة للصفحة الرئيسة

قراءة و تعليق في كتاب "في علمية الفكر الخلدوني "لمهدي عامل*

تقديم :

      يعتبر الكتاب الذي نقدمه في هذا البحث من الأعمال التي استهدفت قضايا التاريخ الإسلامي الشائكة والمبهمة ، والذي قدم فيه مهدي عامل نموذجا للفكر العلمي المادي.ويعد من ناحية أخرى مساهمة متطورة في فضح و كشف كل من يعتبر التراث و التاريخ عموما ذلك الزمن الميت المبتوت الصلة بالحاضر و المستقبل، وهم كثيرمن المثقفين المعصرنين جدا.

      فالأزمنة الثلاثة تتواصل وتتوحد في مجرى الصيرورة الزاخر بإمكانات التقدم علاوة على أن إنجاز مهدي عامل .  ، في إعادة إنتاج التراث  معرفيا بمنهجية ماركسية إلى جانب " حسين مروة ،طيب تزني ... "فقد شكل تحديا مضادا لجوقة كبيرة معادية بين أعضائها :"إقطاعي،الرجوازي،والسفي والرومانسي و القافة النفطية وسماسرة الإمبريالية والثقافة الإثنية والمنظرين لقوميات دينية".

    وبذلك في نظرنا نجح المؤلف في تحويل التراث إلى راكز تاريخي لحركة التحرر التاريخي أن تستندغليه في ؤاعها الراهن والمستقبلي وأن تستمد منه في كل حين روحا معنوية ومحفزا .فالفكرالتاريخي كما يثبت المؤلف بالملموس من ثم لم يكن  في أية حقبة حكرا على السلاطين و السلفيين  و "تاريخ البلاط ".وإنما كان ويبقى حركة صراع و جدل متحرك ، كان العقلانيون والتقدميون أحد أطرافه الفاعلة وكانوا الحضوروالشهود في كل حقبة من حقبه.

    ولعل ما يميز هذا الكتاب  في رأينا هو أنه اعتبر التاريخ الإسلامي هوتراث زاخر بالقيم والنزعات المادية والتقدمية   ، وأن الفلسفة الإسلامية تحمل في طياتها  التجليات المادية والإيديولوجية التي تصلح كاداة معرفية لتغيير العالم وليست فلسفة غيبية نصية وتسليمية .

ونراه بمثابة القبة التي أكملت بناءا فكريا في التاريخ بدأه المفكر "حسين مروة"منذ الستينيات من خلال كتاب " النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"و الذي لفي اهتماما واسعا من طرف بعض الدارسين و المثقفين الشيء الذي لم يحظ به الكتاب الذي نشتغل عليه ، و إن كنا لا نعدم وجود  قبيل من الدراسات لهذا الكتاب منها : " دراسة حسن حنفي "

   و صفوة القول أن اغتيال مهدي عامل هو  جريمة  لها تاريخ بينقوى التقليد والتجديد بين جماعة القعود  في بيت السلف الصالح الذي بني في ماض ذهبي مزعوم ، و قوى تحررية مناضلة لملاقاة مستقبل واعد بالديمقراطية الإجتماعية والسياسية .

   و انطلاقا من اشتغالا على الكتاب المذكور فقد حاولنا  أن نقسم البحث إلى قسمين ،أولهما رصدنا فيه أهم أفكار مهدي عامل في هذا الموضوع ، بينما في القسم الثاني حاولنا التعليق على تلك الأفكار  ثم خلصنا إلى نتائج سطرناها في الخاتمة.

وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهناها فقد تم تذليلها بتوجيهات الاستاذ المشرف" محمد تضغوت" والذي راعا هذا البحث من بدايته إلى نهايته ،فله الشكر الجزيل ،وإلى كل من ساهم من قريب أو بعيد في إخراج هذه المحاولة إلى الوجود.

 

في المنهج :

    يبدو أن مهدي عامل مفكر نقدي خارج عن البرمجة الستالينية التي ألغت الإجتهاد كما ألغاها سلاطين في القرون الوسطى وفي إطار منهجيته يقول في هذا الكتاب " و لا أخفي على القارئ أني حذوت في نهجي هذا حذو ابن خلدون في مقدمته ، وكنت في نهجي سائرا على نهجه ، وكنت فيه ماركسيا وما وجدت في هذا تناقضا بل تكاملا ، ففهمت أن طريق الفكر الماركسي اللنيني هو طريق الوصول إلى تملك واقعنا الإجتماعي التاريخي في تراثه وحاضره " .

    ومن هنا يتضح أنه يتبين ،ه يتبنى التحليل المادي للتلريخ ، وقد وضح دلك من خلال كتاب "مقدمات نظرية ..." ومن جهة اخرى فإنه تحدث كذلك على شروط القراءة التي حدها في ثلاثة مستويات وهي :

1 - تمفصل الفكر النظري على السياسي ،وسيرورة  إنتاج الفكر الماركسي في عالمنا العربي وهي قضية نظرية

2 - أسباب الحرب الحرب الأهلية في لبنان : القانون الإجتماعي الذي يحكم الأحداث وهذا يعني أيضا النظر في البنيوي لا الحدثي المصادفي

3 - حالجة معرفية في الفكر النظري إلى وضع جهازه المفهومي على محك الواقع التاريخي الملموس، النظرية في الممارسة السياسية

       ويظهر أن المنهج المادي التاريخي الذي تبناه المؤلف في دراسة التراث اعتمدت أساسا على قراءات لصفحات معدودة ،ولا تقوم على دراسة الأصول الأولى مثلا من مقدمة ابن خلدون من خلال كتاب في علمية الفكر الخلدوني  أوكتاب " الاستشراق " لإدوارد سعيد أو أعمال ندوة الكويت من خلال كتاب" أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية ؟" ونفس الشيء تعامل فيه مع تراث الموسوعات الضخمة " المغني للقاضي عبد الجبار" .

      ومن الملاحظ في كتاباته حول الجانب الثقافي ونمط الإنتاج الكلونيالي قبل اغتياله من طرف بعض الجماعات الظلامية عام 1987فإن المزيد من ارتباط البلدان الصغيرة ذات البنية الرأسمالية المشوهة بأسواق الرأسمالية العالمية ، يؤدي إلى العكس على الصعيد الإجتماعي ، وهو ما يسميه " غوندر فرانك" ( بتطور التخلف )ويضيف مهدي عامل بأن ما يحدث ليس تطورا نحو الليبرالية وثقافتها با هي خطوات كثيرة إلى الخلف ، ذلك أن الرأسمالية المشوهة في البلدان المتخلفة لا تنتج فكرا برجوازيا ولا تستعيد ثقافات سابقة بل تنتج ثقافة واحدة هي الثقافة الطائفية والإثنية ، وهذه الثقافة بالذات هي الأكثر ملاءمة للرأسمالية الجديدة أيضا ، لأنها أيديولوجية التحلل والتفكك التي تحتاجها الإمبريالية في الأطراف .

     ولعل أخطر داء في نظر مهدي عامل يصيب الحركة الثورية هو داء العفوبة أو التلقائية في ممارستها ، إنه داء المغامرة في زمن التخطيط الإمبريالي على الصعيد العالمي والنظرية الماركسية علمية أي لأنها علم التاريخ في حركة انتقاله هذه .

      و يظهر أن مهدي عامل كان يهدف إلى خلق تماسك داخلي في بنائه المنجي  حيث تحدث على النقد الصريح وأكثر من ذلك فإنه يعتبر أن كل نقد لممارسة إديولوجية هي حياة الفكر عند الماركسي ويقول في هذا  الصدد " وليس من شيوعي يقبل بموت الفكر فيه ، حبذا لو |أن هذا البحث ( مقدمات نظرية...) يثير النقد الذي ينتظر ففي النقد هذا حافز لنا على تصحيح ممارستنا الإديولوجية وإعادة النظر في بناء المفهوم الدي حاولنا بهدف تعميقه وإغنائه " . ويبدو أن معظم أعمال مهدي عامل هي شروح وتعليقات على أعمال معاصريه وآخرين ، يغلب عليها طابع الحجاج والمراجعة والتفنيد والنقد ، ونقض لأدبيات العصر نشر معظمها كمقالات في مجلة " الطريق " وهي كتابات تدخل في خانة نقد الفكر وجاهزيته ، لأن همه الوحيد كان هو المراجعة النظرية والتأسيس النظري البديل ، وقد ساعده على ذلك قدرته الفائقة في السجال وذلك لتمرسه السياسي .

      فقد اتسمت جل اعماله بالنقد وتقديم البديل ، فحتى" مقدمات نظرية ..." عمل فيها المؤلف على إدخال أسلوب النقد بالرغم من كومها كانت مقدمة تأسيسية ومدخل منهجي في الغالب الأعم ،وبالتالي فمن الطبيعي أن يغلب منهج الجدل مع الخصوم بهدف إيقاعهم في التناقض وذلك بعرض النظريات والنظريات المضادة والردود في الإعتراضات والإعتراضات على الردود ، وحتى مقدمات نظرية بجزأيه : الأول في التناقض والثاني في نمط الإنتاج الكلونيالي  أيضا في البداية كان في البداية مجموعة مقالات في مجلة الطريق منذ عام 1973 ويؤكد المؤلف ذلك في كتاب " في الدولة الطائفية".

تعليق :

      يشكل كتاب " في علمية الفكر الخلدوني" لمهدي عامل ، محاولة من محاولات العقل البشري ، الذي لم يتعب عبر العصور من التصدي لموضوعات المعرفة ، ومعضلات الوجود التي كانت تتصادم معه لتؤلف إشكاليات يجب حلها والإجابة عنها .فالموضوعات التي يستعرضها مهدي عامل في كتابه هذا  هي مؤلوفة في عالم التاريخ والتراث بشكل عام ، إنما يصح القول هنا ،أن كيفية المعالجة  وطريقة الإجابة هي التي تميز كاتبا عن آخر .

     و يبدو أن البحث  يعالج  موضوع " علمية الفكر الخلدوني" وكأنه ظاهرة مجردة عن إنسان هو ابن خلدون في زمان معين ، لكن في المقابل فهو كتاب يستحضر باستمرار في وصفه وتحليله  ، مناخ العصر ، وقيمه، ومشكلات مجموعة من المناهج (الفكر الديني ، التجريبي ، المثالي ... )وما تركت من بصمات على أصحابها ، والمتأثرين  بها ، الشيء الذي يعطي للكتاب مكانة ، وقيمة علمية خاصة، تربط بين الماضي والحاضر.

     هكذا ، وعندما نستعرض الاسلوب النقدي لمهدي عامل ، ونسعى إلى رسمه  ،نجد فيه ترابطا كبيرا بين كل فصوله رغم أنه اعتمد على نص قصير ، ولا يكفي في نظرنا لتمثيل حضارة واسعة ، مترامية الأطراف ، تضمن آلاف  المجلدات ، و هذا ما ننتقده في المؤلف ، لأن  العمل هنا  يظهر مبتسر عن السياق داخل العمل نفسه مثلا " المقدمة" لابن خلدون،وهو أيضا مبتسر عن الحضارة العربية برمتها  " فالمقدمة" جزء من كل وهو علم التاريخ .

      وإذا كان مهدي عامل تحدث عن الشروط الضرورية لتأسيس علم التاريخ ، فهذا شيء جدير بالاهمية لكن  الإشكال هو ما اعتبره في أول فصل من البحث ، وأن هذا الفكر من ابتكار  ابن خلدون ،  ولم يسبق إليه أحد، في حين أن المسألة في نظرنا لا زالت مطروحة للنقاش من طرف مجموعة من المؤرخين . لكن ما يشفع له هو أن هذا العمل من اختصاص المؤرخين ولم يكن مطروحا إبان كتابته لهذا البحث .

     ومن جهة أخرى يبدو أن مهدي عامل كان على حق عندما طالب بثورة على المفاهيم التي نستعملها بكثافة دون إخضاعها للنقد ، و في هذا الإطار انتقد وبشدة أكثر من مرة عبر فصول كتابه فكرة  " الخصوصية " " الأصالة " و "الفكر الديني " ،وليس الدين على اعتبار أن هذا الفكر يرى الظاهرات كلها حسب تعبيره ، في التاريخ كما في الإجتماع في منظور علاقة خلق يقيمها  بين خالق وخليفته والذي على قاعدته كما يقول "لايمكن لتاريخ ان يتكون في علم ،لأن المعالجة التاريخية للحدث في نظره "لا تكتسب طابعها العلمي ، الا برد الحدث الى تربته اي واقعه الفعلي المادي ".

    وحسبنا ان مهدي عامل ،درءا لتهمة التبعية  الفكرية للآخر حاول من خلال هذا البحث أن يكتشف جذور النادية التاريخية، و"الماركسية "في تراثه العربي فكان اكتشاف الفكر الخلدوني ، لأن الإشكال في نظر المؤلف ليس في التراث ، وليس هو العقبة  في التطور  بل الطريقة التي يتعامل بها المفكرين والمؤرخين مع تراثهم هي أم العقبات .*

خلاصة عامة :

      الحصيلة أن الفكر الخلدوني رغم تناوله من طرف أقلام شتى تحقيقا ، وتعليقا وتأريخا ، فالإشكال في نظرنا هو بصدد ما يعطى لهذا الفكر من تأويلات ، ولعل من بين تلك الدراسات ، مؤلفات  مهدي عامل ، والتي تتميز بطابع خاص ، ولقد تمخضت دراستنا لهذا الكتاب عن عدة نتائج نوجزها في ما يلي :

1 - على مستوى المنهج والرؤية :

    إن دراسة المؤلف عملت على إظهار الفكر الخلدوني من منظار مادي تاريخي ، كما أكدت على إبراز النظرة الخلدونية التي تستوعب المجتمع البشري ، ومقدرة هذا الفكر على تجاوز عصره ، والخروج عن فن التأريخ سالكا منهجا علميا ماديا عرضا ونقدا ، وقد تتبع المؤلف عن كثب معطيات الفكر الخلدوني ليحدد خطوات منهجيته ويكتشف عما يمتاز به من منطق والتصاق بالواقع .

    وإذا كان مهدي عامل  اعتمد على منهج التحليل الماركسي ، فالأسباب عديدة نراها متشعبة في كتابه هذا ، منها أنه يتلاءم مع موضوع البحث لأنه منهج تحليل مادي ، ومنها أيضا أنه وحده يسمح بتحرر الفكر العربي الإسلامي من أسره في عالم الغيبيات " المثالي..." و العاجز عن إنتاج معرفة التراث .إنه الفكر المادي التاريخي له طابع كوني و لا يصح فيه القول إنه شرقي أو غربي أو شمالي أو جنوبي ، إلا عند من ليس له من العلم سوى الجهل به و بالتالي العداء له .

2 - حول تميز الكتاب في معرفة الفكر الخلدوني :

      يبدو أن الدراسة تميزت بتفادي المؤلف الوقوع في التحيز و الإشادة العمياء ، فحلل نظريات بن خلدون إلى أبسط جزئياتها بواقعية و عقلانية ، معززا ذلك بمقارنات بينها وبين نظريات بعض رجالات الفكر " الطرطوشي ، المسعودي ، الفرابي ، أريسطو..." .

      ولقد أبان تعامل مهدي عامل مع الفكر الخلدوني عن الطابع الخاص الذي يميزه و تمخض عن فهم جديد لهذا الفكر بالعتباره فكر علمي مادي . ومن ثم جاءت قراءة المؤلف لنص مأخوذ عن " المقدمة " قراءة في نظرنا تفجر هذا الفكر لاستثماره في كل الأزمنة ، وضد التشويه السائد في الدراسات التراثية بشكل عام ،على اعتبار أن العلاقة بين الماضي و الحاضر هي علاقة اختلاف تقيم بينها مسافة مادية ، هي في أساس بنية الزمان ، و لأن التراث من الطبيعي في رأينا هو مجال من مجالات الصراع الطبقي الأديولوجي  المحتدم في المجتمعات العربية و غيرها .

3 - حول وضع الكتاب بين باقي المؤلفات المهتمة بالموضوع :

     يعتبر الكتاب المدروس إضافة نوعية لاأعمال الجادة التي تطمح إلى عقلنة التاريخ الإسلامي بشكل عام مثل أعمال باحثين و مفكرين "الحسين مروة ، محمد أركون ، محمود اسماعيل ، محمد تضغوت ، إبراهيم القتدري بوتشيش ... " وكذلك مساهمة متطورة في بناء التاريخ الجديد ، وتفعيلا للمنهج الماركسي " المادي التاريخي " الذي يصبو إلى قراءة التاريخ بشكل علمي ، ويعتبر أيضا إضافة لاأعمال التي أشادت بهذا الفكر " ناصف نصار ، لويس عوض ، نجاتي صدقي ،عبد العزيز عزت ، محمد عزيز الحبابي ، علي أومليل ...".

    على أنه يمكن التأكيد في نهاية هذه القراءة بأن المهدي عامل عودنا نهجا نقديا في كتاباته العلمية القيمة ، مما جعها تشكل معينا لا غنى عنه للقارئ على اختلاف مداركه و تخصصاته بشكل عام ، ولا أبالغ إذا قلت بأن كتاباته و أبحاثه تشكل مدرسة قائمة بذاتها الشئ الذي فرض على كل من سبر غور المنهج المادي التاريخي أن ينهل من معاره و من كتبه ، و يكفيه فخرا المعمار العلمي و المعرفي الذي شيده " مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الإشتراكي في حركة التحرر الوطني " في بيئة لا تعرف إلا الحوار بطلقات الرصاص لاسكات الخصوم ، فهذا البحث مهدى إليه ، و هو الذي طالما أهدى أعماله إلى أقرانه الشهداء " عطية الشافعي ، نبيل متة ، حسين مروة..." .

  .لم نقدم جزءا كبيرا من فصل التعليق وذلك لعائق الطول ، نعدكم بإتمامه في المستقبل *

*قراءة و تعليق في كتاب "في علمية الفكر الخلدوني "لمهدي عامل .بحث لنيل الإجازة في التاريخ . من إعداد الطالب : عبد الرزاق السعيدي .السنة الجامعية 2003/2004